اليوم الوطني

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ،نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.

أَمَّا بَعْدُ: فيا عباد الله، اتقوا الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

تمر ذكرى الوطن لتوقظ في ذاكرة الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن صورة أديم متمزق، ودماءٍ بريئة تخط على رمالها قصص الظلم وقَطْعَ الطريق وتزعزع الحياة، وفجأة يظهر عليها فارس شاب، يحتضن سيف العزة ورمح العزيمة، مدرعا بأنوار الشريعة، فإذا بالإهاب الممزق يلين له بعد شدة، ويرق لإبرته الصبور، فيخيطه بجلد وطموح يهزأ بالعوائق، فيلتقي البحران، ويجتمع الشمل، وترفرف راية التوحيد، على يد الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ويقام حكمُ الله على جزيرة الإسلام باسم: الممكلة العربية السعودية؛ اسمٍ حفرته على جبين التاريخ أيدٍ رفعت كتاب الله وسنة رسوله شرعة ومنهاجا؛ ويستقر الإنسان؛ فيُعطَي ويعطي؛ لتنمو الحضارة نموا مذهلا، تتخطى كثيرا من المراحل التي مر بها آخرون.

ومن أمن الداخل إلى أمن الأمة كلها انبثقت اهتمامات ملوك هذه الأرض المباركة، فلا تكاد تُعرف قضية إسلامية أو عربية إلا كان للملكة الدور الأهم في عودة الاستقرار إليها، أو السعي في سبيل ذلك.

الأمن واجتماع الكلمة هو المكتسب الأول والأهم من مكتسبات الوطن، والحفاظ عليه يجب أن تكون الأولية بالنسبة لكل مواطن ومقيم ينعم بخيرات الوطن، نعيش ذلك ونربي عليه أولادنا، ولا نسمح لأحد أن يخترقه.

وفي هذه الفترة التي تمر بها الأمة الإسلامية، والعدو المتربص يحدق بها من كل جانب، ويتحين الفرص للطعن في معتقدها، وتفتيت بنيتها الأساس، وتشتيت شملها، كل ذلك يتطلب من المجتمع المسلم تماسكا لا يتحمل الخلل، وقوة في البناء لا تتحمل الضعف، وترابطا بين الحاكم والمحكوم لا يقبل اهتزاز الثقة، ولا القعود عن المشاركة في تدعيم الأمن ونشر أجنحته الظليلة الوارفة.

عباد الله، إن الأمن هو النعمة الكبرى التي امتن الله بها على عباده فقال عز وجل: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [سورة القصص 57].

ونحن في هذه البلاد قد امتن الله علينا بهذه الجوهرة الثمينة، والنعمة العظيمة، فأمِنَّا حين خاف الناس، وشبعنا حين جاع الناس، وسكنَّا حين شُرِّدَ الناس، وشرفنا بالوقوف ـ بقدر استطاعتنا ـ مع إخواننا في جميع أنحاء المعمورة في كل عادية مرت عليهم، أَوَ يكونُ جزاءُ إحسان الله إلينا إلا الإحسان، والشكر الجزيل على هذه النعمة الكبرى شكرا عمليا وقوليا؟

إن التفريط في هذا الأمن، وزعزعتَه في هذه البقعة المباركة التي تعد معقل الإسلام الأول، ومأرزه الأخير، لهو عدوان على الإسلام والمسلمين في كل أنحاء الأرض، مهما كانت نياتُ من يُشارك ولو بكلمة في إشعال فتيل الفوضى والقلق الأمني.

إن الوحدة قوة، والفرقة عذاب، يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [سورة الأنفال 8/46]، وغير خفي عن المسلم أنه لا يستقيم إيمانه، ولا يحظى بهذا الوسام العظيم والشرف الكبير بانتمائه إلى هذا الدين الحنيف بحق، إلا إذا حقق الطاعة

المطلقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم طاعةَ ولاةِ الأمر في المعروف، ومعرفة حقوقهم، وتربية النشء على ذلك، فهو صمام الأمان والاستقرار، ومنطلق التنمية والتقدم والتطوير.

حبُّ الوطن فطرة إنسانية، ولا خير فيمن لا يحبُّ وطنه، ولا مروءة لمن يتنكر لفضله عليه.

نظر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَكَّةَ، فقال: "إنَّكِ لَأحَبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولَا أنَّ قومِي أخْرَجونِي منكِ ما خرَجْتُ".

إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، ووضع لبنات أسرته فيها، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، والآباء والأجداد، والتاريخ والأمجاد.

قال الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".

وقال الحافظ الذهبي - وهو من العلماء المدقِّقين - مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه".

ونحن نحبُّ وطننا دينا واقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم، وفطرة سوية فُطرنا عليها. إنه الرحم التي تخلقنا فيها؛ ولذلك ننتمي إليه، بعد انتمائنا لعقيدتنا، كانتمائنا لأرومتنا، ولا يمكن أن يرحل عنا وإن رحلنا عنه.

الوطن هو الكيان الذي يشكل إطار حياتنا، وبدونه يصبح الإنسان بلا عنوان.

ومن يستشعر هذه المعاني فإنه لن يخون وطنه كما أنه لن يخون أمه.

ولن يقبل أن يعمل ضده كما أنه لا يمكن أن يحرق بيته.

ولن يفرط في انتمائه إليه، كما أنه لا يفرط في انتمائه إلى أسرته.

(الحب) معنى عظيم، وليس إلا هو جدير بأن يكون العروة الوثقى بين الوطن والمواطن.

حين يحب الوطنُ المواطن، فإنه سُيجري تحته أنهار العطاء، ويسكب في قلبه طُمأنينة الأمن والاستقرار، ويُسلمه شُعَل العلم والعمل، ولن يبخل عليه بموجود. وحين يحبُّ المواطنُ الوطنَ، فإنه سيحرص على سمعته كما يحرص على سمعة أسرته، ويحفظ مكتسباته كما يحفظ عينيه، ويذبُّ عنه كما يدافع عن عرضه.

المواطن الذين يعرف حجم قدر الوطن بالنسبة له، يعلم أنه لا توجد ثغرة في جدرانه مثل تفريطه في عمله، أو عدم القيام بأمانته في أدائه؛ لا فرق بين موظف حكومي أو في قطاع خاص أو خيري أو حتى في عمل شخصي جدا.

كل كلمة في حق الوطن تنبس بها شفةٌ اليوم لها أثر في الحاضر أو المستقبل، فلنكن بناة، غيورين على أوطاننا، لا نقبل ـ أبدا ـ أن تتحول كلماتنا إلى سلالم لصاحب نزوة أو متأبطٍ شرا؛ ليصل بها إلى مبتغاه.

إن تبني بلادنا لمنهج الوسطية والاعتدال، هو المنهج الذي يجب أن يكون لكل منا دور فيه، بدءا من بيوتنا؛ لنحمي ذرارينا من آفات الإلحاد والإباحية والاستهتار بالقيم، كما نحميهم من الغلو والتطرف والإرهاب

بكافة أشكاله وأنواعه، ليبقى وطننا كما قال الله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [سورة العنكبوت 67].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الأخرى

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الأمن والأمان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خيرَ ولدِ عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد فاتقوا الله عباد الله

إن ما يدور في بعض أجزاء الوطن العربي الكبير من صراعات متعددة، جاء نتيجة بئيسة لما ينطوي عليه المجتمع العربي من تشرذم فكري واختلاف مذهبي، واعتلال أمني، ونحن في المملكة العربية السعودية نختلف عن غيرنا في أي وطن آخر، وهكذا يجب أن نكون دائما، مهما تعددت المذاهب العقدية والفقهية، فالوطن تأسس على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة منذ قرون؛ ويمثلان له المرجعية الكبرى التي لا تدخلَ للبشر فيها؛ سوى الفهم والاستنباط؛ فلا مجال للخلاف المفرِّق، وإنما المجال مفتوح للخلاف الواعي، الذي يستدعي الحوار والتنمية، والإبداع، واختيار الأمثل والأصوب، والأكثر ملاءمة للحال، والمرحلة الآنية.

وينعم هذا الوطنُ المقدس بالأمن الوارف في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية بيد حكام أخذوا على أنفسهم العهد والميثاق أن يجعلوها دستورا وحيدا للحياة، فلهم الولاية الكبرى، والطاعة التامة في المعروف في المنشط والمكره، فـ((من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) رواه مسلم.

وتختص هذه البلاد بأن أرضها كانت منبع الرسالة، فبقيت مهوى قلوب المسلمين؛ لتشرفها بخدمة الحرمين الشريفين، ومحطَّ أنظار العالم لكونها محور العالم الإسلامي والعالم العربي، ولما تحتويه من ثروات بشرية واقتصادية.

وهو ما يجعل كلَّ من ينتسب إليها أو يقيم فيها يتحمل مسؤولية جسيمة تجاه الحفاظ على أمنها واستقرارها، سواء أكانت على الجبهة الداخلية؛ بدحر كل فكر منحرفٍ ضال، والتآزر والتماسك بكل ما أوتينا من عقل وبعد نظر وقوة في التفكير المستقبلي، أم على الجبهة الخارجية؛ بعدم إعطاء الفرصة لأعداء الأمة أن يشقوا صفوفنا؛ ليحققوا مآربهم، وينفذوا مخططاتهم، ونحن نعد قلب الأمة النابض ولسانها المنافح.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نعمل على تقوية جبهتنا الداخلية، باتقاء أسباب الضعف من جهة، والأخذ بأسباب القوة والعزة والتماسك الوطني المتين من جهة أخرى.

وأسباب القوة تتمثل في التمسك بشريعتنا الغراء، والتمثل بالأخلاق والآداب العالية، والمثل والقيم الكريمة، التي حوتها الأصول الخالدة والمباديء الكريمة، التي جاء بها ديننا الإسلامي العظيم.

فالمؤمن القوي يتحرر من كل عبودية لغير الله، ذلكم (التوحيد) الأصل العظيم الذي جاءت به الرسل عليهم السلام، وقامت على أساسه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ وتأسست على قواعده دولتنا القوية عبر مراحلها الثلاث.

والقوة الأخرى، التي تحتاجها كل دولة وكل شعب، قوة العلم، ليكون مقوما لشخصية الإنسان، العلم المبني على أسس التقوى، المثمر بالعمل المجدي والنافع والباني للحياة كلها بلا استثناء.

ومن أجل بناء وطن قوي متماسك، فلابد من بناء الاقتصاد باستثمار الأرض وثرواتها، وتنويع موارده، وهو ما تعمل عليه كافة قطاعات الدولة حاليا، نسأل الله تعالى السداد والبركة وحفظ النعم. 

أيها الأحبة، إن الوحدة والاتحاد والاعتصام بحبل الله المتين، وعدمَ التفرق والتمزق، والتناصح وفق عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنهجيته النبوية الكريمة، والحض على طاعة أولياء الأمور في المعروف، وتماسك المجتمع كله في السِّلم والأزمات، هي مسلمات الأمن والأمان والقوة والتماسك.

اللهم اجعلنا ممن ينعمون بالأمن في الدنيا والآخرة، بهداية منك، ونعمة من فضلك يا كريم السموات والأرض.

اللهم أعز دينك، وأعل كلمتك، وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم آمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد ديننا وبلادنا وأولياء أمورنا بسوء فأشغله في نفسه واجعل تدبيره تدميرًا له.

اللهم رُدَّنا إليك، واجعل توكلنا عليك، واغفر لنا ولوالدينا ولأحبابنا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين. اللهم وفق ولي أمرنا ووليَّ عهده إلى ما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تعينهم على الخير، وتدلهم عليه، ووفقهم لخيري الدنيا والآخرة، لهم ولشعبهم وللأمة جمعاء.

يا حيُّ يا قيوم، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كلَّه، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طباعة